Uncategorized

ينموسى – ورم حب

مأخوذة بك كأنك أول رجل يلمس يد عذراء لم يمسسها من قبل إنس ولا جان، غير مستوعبة للتوغل الذي توغلته في، أتحسس الحفرة العميقة التي حفرها هواك في روحي غير مصدقة. كيف أتعثر بك، و«أقع» فيك بهذه السرعة الجنونية القاتلة؟

غاضبة من نفسي أو راضية عنها، لا أستطيع تمييز سخطي من رضاي، لا أقدر على طبطبة تقوس القلب وإعطائه الموافقة كي يحبك بأريحية، ولا أنا أستطيع منعه وقطع الطريق عليه كي لا يواصل تسلق السلم إلى سقف عينيك… ثم في لحظة، تترك أنت السلم غير مبال فيسقط من مرتفع «الحب»، تلك الهاوية التي نرتمي فيها عن طيب خاطر، غير آبهين ولا مدركين لما سنصطدم به في القعر.

نرمي أنفسنا مستلذين حلاوة السقوط، مدهوشين من قدرتنا على التحليق دون أجنحة، لا نستفيق من هذا الحلم الجميل إلا على صوت ارتطامنا بالأرض، وتكسر جميع ضلوعنا. ثم نستفيق من غيبوبتنا  بابتسامة باهتة وقلب مشتت لنعترف بعد فوات الأوان بأنه كان «وجعا لذيذا».

مؤمنة أنا أننا سنلتقي في حياة أخرى على أسوار القمر في ليلة لا شيء فيها جميل سواك، وسنَثبت أي وجعي وسط المحنة حتى لو كل المسار حولنا انحنى، وسأتمسك بحبال ودك مهما جرحت كفي، وأبتهل كل شوق أن تغير شعلة الجوى الساكنة في قلبينا الأقدار التي وضعت غيري في طريقك قبل أن أطل على حياتك، وحرمت مهجتي فرحة البدايات.

إني أثق، مهما أظلمت في وجهي الحياة واشتدت علي كرَبها، أن من ألقى بذرة عشقك في أيسر صدري كفيل بتحويلها لعش عرائش توت يجمعنا سويا، فما أحزن يعقوب إلا لإظهار نبوة يوسف، وما ابتلاني بك من وسط الخلق أجمعهم إلا ليحبوَني بلطفه الخفي.

وهذا الشوق الذي يصلبني على أسوار مدينتك دون سابق إنذار، يعلقني هناك عارية في عز الصقيع غير عابئ بارتجاف جسدي، ولا صراخ حنجرتي، ولا بكائي ليس إلا طريقا وعرا نحو جنة حضنك.

وأنا، رغم كل محاولاتي، لا زلت لم أفهم كيف يكبر حبك كالدمل بمثل هذه السرعة، كيف ينتفخ كبالون هوائي مطاطي مضاد للانفجار في غضون أشهر معدودة، ولا كيف اعتادت ذراعاي معانقة ظهرك في هذه المدة القصيرة، أو كيف تأبى عرائش التوت المزروعة في شفتي أن تواصل نموها إن لم تسقها قبلاتك. لا أدري أي إحساس بوهيمي حلو موجع مخيف قاتل جميل هذا الذي يستقر ما بين قلبي وحنجرتي، يمنعني من الصراخ باسمك، ويدق على جرحي ملحا لأني لست بالشجاعة التي قد تواجه صفحة وجهك الملائكي وتهمس في أذنك ذات سكر «أني واقعة» فيك حد الغرق، وأن الصلب عكس يسوع لم يمح أخطائي بل فضحها للعيان فقط.

ضعيفة أنا كورقة شجر صفراء في مهب رياح خريفية يائسة، وهنة كرضيع في شهره الأول، ضائعة كطفل أمسكت بيده ومشيت به ثم تركته يتيما في الزحام، كل ما أستطيعه وأنا جنبك هو الترامي في حضنك كأنك المنفى الأخير، ودس رأسي في صدرك هربا من دقات قلبي التي تتزايد في سرعة جنونية كأن الطير الأبابيل حلت فوق رأسي.

وإني أخبرتهم دائما أني لا أحبك، أن وجهك لا يستحم في أحداقي كل مساء، وأن الشوق لا يعصف بمهجتي كل غروب شمس، وأن عينيك ليستا ذاك المصيف الذي أخبرت الجميع أني أريد أن أزوره في السنين الباقيات.

وإني والله حاولت كثيرا أن أصم أذني عن هذه الحقيقة الصارخة، وتفاديت كل الطرق التي تؤدي إلى روما حبك، وتغافلت عمدا عن طرقات وجعك التي أوشكت أن تخلع باب قلبي.

لكنك ظللت هنا، واقفا بساحة الوغى التي اشتد صليل سيوفها في فؤادي، ظللت واقفا، صلبا، لا تزحزحك كل الزلازل التي جاءت بعدك، ولا تغير مكانك سيول الدمع التي جرفت كل كبريائي وتجلدي، وأبيت أن ترحل أو أن تفسح المجال لأي دواء قد يطهر جرحي العاري، أو يخفف ألم ورم الحب الذي زرعته في رحم روحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى