كأس الإتحاد الإفريقي

بطالة الشباب .. 5 استثمارات لتوفير فرص العمل

عندما يتحدث الاقتصادي يوسف السعدني عن الموارد التي تسخرها الدولة عبر الموازنة من أجل دعم تشغيل الشباب، فإنه يفترض قياس كلفة ما يبذل في علاقته بالأثر على الشخص المستهدف، الذي يتوفر على الحافز من أجل الحصول على فرصة عمل، خاصة في ظل معاناة نصف الشباب المتراوحة أعمارهم بين 25 و35 عاما من البطالة.

في عرضه الذي انصب على العلاقة بين المالية العمومية والتشغيل وثمين الشباب، أول أمس السبت بمناسبة أشغال الدورة الـ14 للمناظرة الدولية ‏للمالية العمومية، المنظمة من قبل الخزينة العامة للمملكة بشراكة مع جمعية المؤسسة الدولية للمالية العمومية، حول موضوع “‎التحديات الكبرى للمالية العمومية للقرن 21” بالرباط، استعرض يوسف السعدني، مدير الدراسات الاقتصادية بصندوق الإيداع والتدبير، تجربة رعاها الصندوق، حيث جرت بلورة برنامج من أجل تكوين مطورين في مجال الحاسوب.

شهادة

ويوضح أن البرنامج جاء نتيجة فكرة مؤداها تجريب ما إذا كان يمكن تكوين شباب من العاطلين الحاصلين على شهادات لمدة ستة أشهر، كي يصبحوا مطورين في مجال الحاسوب، حيث لم يتم التركيز على إحاطة المرشحين بذلك المجال، بل جرى الاهتمام أكثر بمدى توفر الحافز (Motivation) لديهم للتعلم كي يحصلوا على فرصة في سوق الشغل.

ويحكي أنه تم على مدى شهرين الاشتغال على المهارات الشخصية (Soft skills) لدى أولئك الشباب، في بعدها البسيكولوجي والقدرة على الحدث أمام الناس والاستعداد للعمل ضمن الفريق، قبل الانتقال للتكوين الذي من أجل اخيتروا، حيث تم ذلك بمساهمة خبراء ينتمون لشركات كبيرة المجال، علما أن تلك الشركات التزمت فقط بتوفير تدريب للشباب المستفيد من التكوين، غير أن السعدني يؤكد أنه، إلى حدود اليوم بعد الانتهاء من التكوين، حظي 28 من بين 30 بعقود عمل غير محددة المدة في سوق العمل.

عطالة مستحكمة

تلك شهادة حرص السعدني على تقديمها، بعدما لاحظ، في بداية عرضه، أن مؤشر معدل تشغيل الشباب ضمن الفئة المتراوحة أعمارها بين 25 و35 عاما، يصل يصل بالكاد إلى 50 في المائة، حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط، بينما يصل ذلك المعدل إلى 80 و90 في المائة في البلدان الصاعدة والمتقدمة.

وذهب إلى أن نصف الشباب ضمن تلك الفئة لا يشتغلون، دون الحديث عن أنه ضمن الشباب الحاصل على فرص عمل، هناك الكثير من الشغل الهش والشغل الذي يوفره القطاع غير الهيكل، في الوقت نفسه، الذي يسجل ضمن تلك الفئة المشتغلة وجود العديد من الحالات المتناقضة.

وأشار إلى أنه من بين الشباب العاطل من لا يتوفرون على أي تكوين أو لم يتموا دراستهم، ومن حصلوا على شهادات لكن تكوينهم سيء، والذين يواجهون مشكلا على مستوى الملاءمة بين تكوينهم وحاجيات سوق الشغل، ومن لديهم تكوين جيد ويتوفرون على كفاءات، لكنهم لا يجدون فرص عمل في سوق الشغل، لأن الدينامية الاقتصادية غير كافية من أجل استيعابهم.

وأكد على أن التعاطي مع هذه الإشكالية، يجب أن يستحضر في الآن ذاته تدفق الشباب الباحثين عن شغل، وكل مخزون الحاصلين على شهادات، الذين غادروا مقاعد الدراسة ويوجدون في وضعية عطالة.

ما العمل؟

يرى السعدني أنه مادام الأمر يتعلق بالعلاقة بين التشغل والمالية العمومية، فإنه من الواجب ربط الحلول المقترحة مع مفهوم الاستثمارات المستقبلية، معتبرا أنه عندما يتم التدخل لفائدة هؤلاء الشباب، الذين يعتبرون ثروة مهمة للبلد، فإنه يجب إدراك أن الأمر يتعلق بالاستثمار في الرأسمال البشري الذي سيمثل رفاه البلد في المستقبل.

وحدد الاقتصادي خمسة محاور للاستثمار التي يراها ذات أولوية من أجل معالجة أو تصحيح الصعوبات ذات الصلة بتشغيل الشباب، حيث يكمن المحور الأولى في ضمان التكوين الأساسي، معتبرا أن مأساة التشغيل بالمغرب لها علاقة بتراكم النواقص منذ التعليم الأولى، وهي نواقص تتضخم في المستويات اللاحقة، مايجعل تدارك ذلك صعبا، مؤكدا على أن الاستثمار الأكثر مردودية، على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، هو ذلك الذي يستهدف الطفولة في التعليم الأولى.

ولاحظ أن المغرب يعاني من تأخر يفترض تداركه في مجال التعليم الأولي، موضحا أن حوالي ثلثي الأطفال في نهاية التعليم الابتدائي، لا يملكون الكفاءات الأساسية، مشيرا إلى أنه عندما نصل إلى مستوى تركيا مثلا في مجال التعليم الأولى، يمكن أن نربح نقطتين سنويا على مستوى النمو الاقتصادي، ما ينعكس إيجابا على التشغيل.

وأشار إلى أن المحور الثاني للاستثمار، يتمثل في “الطريق المهني”، مسجلا أن 35 في المائة من التلاميذ الذي يبدؤون المسار الدراسي، لا يبلغون نهاية التعليم الإعدادي الذي يبقى المسار الوحيد بالنسبة لهم، على اعتبار أنه لم يتم تطوير كاف لـ”الطريق المهني” على مستوى التعليم الثانوي. ما يعني ضرورة البحث عن نموذج مغربي على مستوى التعليم المهني.

ويتصور أنه يفترض، بالنسبة للشباب الذين يتوفرون على كفاءات ولا يحصلون على فرص عمل، تحفيز الديناميات الاقتصادية، حيث يتطرق، في المحور الثالث للاستثمار، للدينامية المقاولاتية، التي تختزل في التصور العام في التشغيل الذاتي، غير أنه يحيل علي دراسات خلصت إلى أنه ليس كل الشباب مؤهلين لكي يصبحوا مقاولين.

وشدد على ضرورة الانتقال من التصور القائم على النظر إلى التشغيل الذاتي من زاوية معاشية، إلي منظور آخر يقوم على أنه ما يصنع الدينامية الاقتصادية، هو ذلك الجزء الصغير من المقاولات التي تتوفر على دينامية كبيرة، التي تمثل حوالي 5 في المائة من عدد المقاولات لكنها تشكل 50 في المائة من الدينامية الماكرواقتصادية العامة.

وذهب إلى أن نسبة المقاولات ذات الدينامية القوية في المغرب لا تتعدى 2 في المائة، بينما تتراوح في البلدان الصاعدة بين 4 و5 في المائة، مسجلا أن هناك عجزا يقدر بحوالي 2000 مقاولة ذات دينامية قوية، حيث أن تدارك ذلك سيخلق الفرق على الصعيد الماكرواقتصادي وتوفير فرص العمل، التي ستأتي، في تصوره، عبر توجيه الاستثمار نحو هذه المقاولات ذات الإمكانيات الكبيرة.

ويعتبر في المحور الرابع، أن الاستثمار يجب أن يستهدف الشباب، الذين لن يتوفروا على فرص في الاقتصاد السلعي، مشددا على أن الاقتصاد الوطني لا يمكن أن يخلق 100 ألف أو 150 ألف فرصة عمل في العام الواحد، مشيرا إلى أنه إذا أنجزت إصلاحات، يمكن الانتقال إلى 200 ألف أو 250 ألف منصب شغل.

فرصة العمل تلك لن تحل المشكل في تصوره، هذا ما يدفعه إلى التأكيد علي الحاجة لإحداث مناصب شغل أكثر من أجل استيعاب شريحة الشباب غير القابلين للتشغيل، والذين لا يمكن تركهم لحالهم، حيث يتوجب توسيع مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، الذي مازال لا يوفر ما يكفي من مناصب الشغل، بينما يساهم بنسة 11 في المائة على مستوى فرص الشغل في فرنسا.

وتناول في المحور الخامس، الاستثمار الذي يهم الشباب غير المكونين كفاية من أجل الاستجابة لمتطلبات السوق، والذين لديهم الرغبة في تطوير كفاءاتهم، حيث يفترض إنجاز تكاوين قصيرة بشراكة مع القطاع الخاص، ضاربا مثلا بقطاع الطيران والاقتصاد الرقمي الذي يحتاج إلى كفاءات في المهن المرتبطة به، ملاحظا أن هناك طلبا عالميا على الكفاءات في هذا المجال، ما يستدعي مواكبة الشباب في هذا المجال من أجل تأهيلها.

هذه الاستثمارات لها تداعيات موازنية في ظل محدودية الموارد، معتبرا أنه على مستوى المالية العمومية، يطرح السؤال حول كيفية تخصيص موارد بطريقة سديدة لإنجاز عمليات دقيقة من أجل الحصول على أثر أقصى، مؤكدا على أن الأثر يجب أن يقاس على مستوى المستهدفين النهائيين، حيث يفترض قياس الكلفة في علاقتها بالأثر على شخص يتوفر على الحافز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى